الشيخ محمد رشيد رضا
422
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العالمين ، ومدبر الكون بتقديره وسننه ، فلا تذل نفسه بدعاء غيره ، والخوف منه ، والرجاء فيه ، والاتكال عليه ، بل يطلب كل ما يحتاج اليه من ربه وحده ، فإن كان مما أقدر اللّه تعالى عليه خلقه باعلامهم بأسبابه وتمكينهم منها طلبه بسببه ، مراعيا في طلبه ما علمه من مقادير الخلق وسننه ، وذلك عين الطلب من اللّه تعالى ولا سيما في نظر العالم بما ذكر ، وان لم يكن كذلك توجه إلى اللّه وحده لهدايته إلى العلم بما لا يعلم من سببه ، واقداره على ما لا يقدر عليه من وسائله ، أو تسخير من شاء من خلقه لمساعدته عليه ، أو إيصاله اليه ، ممن أعطاهم من أسبابه ما لم يعطه ، كالأطباء لمداواة الأمراض ، وأقوياء الأبدان لرفع الأثقال ، والعلماء الراسخين لبيان الحقيقة وحل الاشكال ، ولا يتوجه مثل هذا العارف الموحد في طلب شيء إلى غير ما يعرف البشر من الأسباب المطردة ، والوسائل المعقولة المجربة ، كالرقى والنشرات ، والتناجيس والطلسمات ، والعزائم والتبخيرات « 1 » ولا كرامات الصالحين من الأحياء والأموات ، دع التقرب إليهم بما يعد من العبادات ، كالدعاء الذي هو
--> ( 1 ) الرقى بالضم جمع رقية ( كغرف جمع غرفة ) وهي ما يقرأ على الملدوغ أو المريض ليبرأ أو يخف ألمه ، ومنه ما يفيد ولا سيما أصحاب الأمزجة العصبية الذين يؤثر فيهم الوهم والاعتقاد وهي جائزة لذلك إذا كان المقروء حقا كالقرآن وذكر اللّه ومحرمة إذا كان فيه شيء منكر أو مجهول . ولما كان الانتفاع بالرقية غير مطرّد جعل النبي ( ص ) الاسترقاء مانعا من دخول الجنة بغير حساب ومنافيا للتوكل على اللّه تعالى ، بخلاف التداوي . والنشرة ما يكتب للمريض ويحرق أو يشرب ماؤه بعد أن يذاب ليشفى وقد حرمها الفقهاء بالمجهول والتناجيس ما يعلق على الأطفال وغيرهم من عظم وخرز وغير ذلك لمنع تأثير العين وإلمام الشياطين ، والطلسمات جمع طلسم بكسر الطاء وتشديد اللام والأشهر بفتح فكسر وجمعه طلاسم وهو خرافة يكتبون لها أرقاما في أشكال هندسية للتأثير الخارق للعادة . والعزائم أقسام يقسم بها على الجن لتخرج من المصروع أو لتحمل على عمل آخر ويحرقون في أثناء تلاوتها البخور ، وكل هذا من أعمال السحر القديمة خلط بها سحرة المسلمين ومشعوذوهم أسماء اللّه تعالى . قال ابن حجر الهيتمي بعد الجزم بتحريم العزائم المقروءة والمكتوبة ان كان فيها اسم لا يعرف معناه . وكذلك الرقية قال ما نصه : وما عدا ذلك من التبخيرات والتدخينات ونحوهما مما اعتاد السحرة الفجرة - الحرام الصرف بل الكبيرة بل الكفر بتفصيله المشهور عندنا ، ومطلقا عند مالك وغيره اه